صديق الحسيني القنوجي البخاري

126

فتح البيان في مقاصد القرآن

مِنْ سَعَتِهِ فجعل الاعتبار بالزوج في العسر واليسر ، ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها ، وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها فقدرت قطعا للخصومة انتهى . والتقدير المذكور مسلم في نفقة الزوجة ونفقة المطلقة ، إذا كانت رجعية مطلقا أو بائنا حاملا ، بخلاف المرضعة ، قاله سليمان الجمل . عن أبي سنان قال : سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل : إنه يلبس الغليظ من الثياب ، ويأكل أخشن الطعام ، فبعث إليه بألف دينار وقال للرسول : انظر ماذا يصنع بها إذا أخذها ، فما لبث أن لبس ألين الثياب وأكل أطيب الطعام ، فجاء الرسول فأخبره فقال : رحمه اللّه تأول هذا الآية لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ . لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها أي ما أعطاها من الرزق ، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه ، بل عليه ما يقدر عليه ، وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه اللّه من الرزق سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى ، وهذا وعد لذي العسر باليسر ، وقد صدق اللّه وعده فيمن كانوا موجودين عند نزول الآية ، ففتح عليهم جزيرة العرب ، ثم فارس والروم ، حتى صاروا أغنى الناس ، وصدق الآية دائم غير أنه في الصحابة أتم لأن إيمانهم أقوى من غيرهم ولما ذكر سبحانه ما تقدم من الأحكام حذر من مخالفتها وذكر عتو قوم خالفوا أوامره فحل بهم عذابه فقال : [ سورة الطلاق ( 65 ) : الآيات 8 إلى 12 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ( 8 ) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً ( 9 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ( 10 ) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ( 11 ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( 12 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ يعني وكم من أهل قرية عصوا أمر اللّه ورسله وأعرضوا عن أمرهما على تضمين عتت معنى أعرضت أو خرجت ، وقد قدمنا الكلام في كأين في آل عمران وغيرهما فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً أي شددنا على أهلها في الحساب بما عملوا بالمناقشة والاستقصاء ، قال مقاتل : حاسبها اللّه بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب ، وهو معنى قوله : وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً أي عذبنا أهلها عذابا عظيما منكرا في الآخرة ، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير أي عذبنا أهلها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ ، وحاسبناهم في